مجمع البحوث الاسلامية
540
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
سرّ المناسبة وجه لطيف أيضا ، وهو أنّ اللّه تعالى بيّن قبل قوله : لا تُحَرِّكْ بِهِ . . . جمع العظام ومتفرّقات العناصر الّتي هي أركان ظاهر الوجود ، ثمّ انتقل إلى جمع القرآن وأجزائه الّتي هي أساس باطن الوجود ، فقال بعد قوله : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ : إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ فاجتمع الجمع بالجمع والحمد للّه » ! ! ثمّ حكى عن « التّأويلات النّجميّة » ما حاصله : « أنّ كلّ شيء له ملك وملكوت ، والقرآن - وهو أشرف الأشياء - له ملك وملكوت أيضا : ملكه الأحكام المتعلّقة بمصالح الأمّة عامّة ، وملكوته الأسرار الإلهيّة والحقائق اللّاهوتيّة المتعلّقة ببواطن خواصّ الأمّة وأخصّ الخواصّ من المكاشفات ، والمشاهدات السّرّيّة ، ولكلّ واحد من الملك والملكوت مدركات ، فقوله : لا تُحَرِّكْ يشير إلى عدم تعبيره بلسان الظّاهر عن أسرار الباطن ، فإنّ الحقائق آبية عن التّعبير عنها بالعبارات » . والعجب ممّن يفسّر القرآن بذلك ، ويغفل عن نزول هذه الآيات في مكّة لقوم بسطاء كانوا ينكرون الوحي والنّبوّة ، فكيف بهذه الأسرار الإلهيّة الّتي وصل إليها صاحب التّأويلات النّجميّة بعد قرون ؟ ! وبين أمثال هذه التّأويلات الغريبة ، وما سنتلوه عليكم نقلا عن المتأخّرين الجدد بون بعيد : قال سيّد قطب بشأن هذه الآيات الأربع خلال آيات القيامة : « جاءت تعليما له في شأن تلقّي هذا القرآن . ويبدو أنّ هذا التّعليم جاء بمناسبة حاضرة في السّورة ذاتها ، إذ كان الرّسول صلّى اللّه عليه وآله يخاف أن ينسى شيئا ممّا يوحى إليه ، فكان حرصه على التّحرّز من النّسيان يدفعه إلى استذكار الوحي فقرة فقرة في أثناء تلقّيه ، بتحريك لسانه به ليستوثق من حفظه ، فجاءه هذا التّعليم - وذكر الآيات - ليطمئنه إلى أنّ أمر هذا الوحي ، وحفظ هذا القرآن ، وجمعه وبيان مقاصده ، كلّ أولئك موكول إلى صاحبه ، ودوره هو ، هو التّلقّي والبلاغ - إلى أن قال : - ودلالة إثبات هذه الآيات في موضعها هذا من السّورة دلالة عميقة موحية على حقيقة لطيفة في شأن كلّ كلمات اللّه في أيّ اتّجاه . . . » . وقال عزّة دروزة : « وفي الآيات صورة رائعة من صور التّنزيل القرآنيّ ووحيه . وترد لأوّل مرّة في وقت مبكّر نوعا ما من العهد المكّيّ ، وهي تثير معاني خطيرة وجليلة نبّهنا إليها بإسهاب في كتابنا - القرآن المجيد - . ومن ذلك أنّها لا تدع محلّا لشكّ ولا مراء حتّى من أشدّ النّاس شكّا ومراء - إلى أن قال : - ومن ذلك أنّ النّبيّ كان شديد الحرص على ألّا يفلت منه آية أو كلمة أو حرف أو معنى ممّا يوحى إليه . . . » . ثالثا : ليست هذه الآيات - جملة معترضة بين ما قبلها وما بعدها - فريدة في القرآن ، فكم تجد مثلها خلال الآيات ! ومنها تلك الآيات الّتي أيّدنا بها الوجه الأوّل في توجيه لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ مثل : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى وما تلاها ، فإنّ أكثرها وقعت خلال آيات لا تتحدّث عن القرآن ، دفعا لشبهة كان المشركون في مكّة يطرحونها ، أو توثيقا للنّبيّ عن النّسيان ، لأنّه آن ذاك كان حديث عهد بالوحي القرآنيّ ، فيخاف النّسيان . رابعا : وبذلك انتهينا إلى مزايا ثلاثة بشأن القرآن :